ما زالت نبضات الحياة تفوح بقدس الأقداس ؛ وترفع راية كل زمان ومكان ، ذلك السر الأعظم للوجود العملاق الذي تنحني أمامه كل الرقاب جيلاً بعد جيل ، وتفنى الأعمار في ضواحي الحيرة وفناء النسيان ليقف العقل مشدوهاً ؛ معلناً خضوعه التام عند نهاية حدوده وإفلاسه التام ، لمزيد من الإستيعاب وإستنفاده الكامل لوقود الفهم ، حيث يترامى سر أسرار الوجود خارج النطاق ؛ وبذلك سر العظيم بدأت الحياة بكلمة السر !! ثم إنبثق منها عدد لا نهائي من الأسرار المتجددة ، فما تكاد تهنئ نفسك لإدراك سر حتى تجد ما هو أكبر وأعمق منه ؛ فهو متكاثر بذاته إلى مالا نهاية وما محاولات البشر للفهم إلا كمن سقط فى بحر مترامي الأطراف ، عميق في أغــواره المظلمة يبحث عن ذرة غاصت فيه من بلايين السنين ، فأنى له أن يجدها فيرمى به الموج منهكاً عند أطراف جزيرة في أقصى مكان بالكوكب ؛ شاحب اللون تتساقط نظراته الضعيفة خاشعة للخالق .
في ظل أى فكرة أو أطروحة ، أو ظاهرة من أى نوع لا مناص من أن يُعشش لغز ولود بخيوط عنكبوتية .. يُرى في كل الجوانب والأوجه ، حيث لا يبدأ أى مخلوق من بني أدم أو بني الحيوان ، إلا ويجد إشكالية تسلمه إلى إشكالية أخرى ؛ ولكن بني الحيوان يتحركون بالغريزة في نطاق محدود ، وداخل سياج محدد من المكان والزمان والحركة المأذون بها ، ويعلنون الإستستلام مبكراً جداً بينما بني الإنسان لغز في حد ذاته ، غير مفهوم في إرهاصاته النفسية أو ردود أفعاله غير المتوقعة ؛ تجاه كل ظواهر الكون من حوله ليستشري فيه إرادة جبارة تارة ، وتارة أخرى يسكنه الضعف بكل أشكاله .
ويتسائل العقل عن السر في كل تلك الألغاز العنكبوتية المتراكمة التى تُسلم كل منها إلى الأخرى ، حتى يظل الإنسان يبحث طيلة عمره عن السر كسراب في أطراف الصحراء الشاسعة ، فيتوهم أنه سيطر عليه بإحكام ثم لايجده ، ولا نرى تفسير لتلك الألغاز التى يتعثر بها الإنسان فى كل زمان ومكان !! وعلى حافة كل حدث أو فكرة إلا أنه لا يخرج عن تأويلات - الإرتباط الوثيق بين المعاناة والنتيجة ، فلا يستغنى أحدهما عن الآخر ونراها في مكونات كل معادلة بالحياة ، فدائماً المشكلة رفيقة الحركة وتوأمها فى الظهور والولادة بالوجود ؛ وربما يظهر اللغز كأم مع ولدها الرضيع فلا تبدو عليه ملامح النمو ، إلا في حنان أحضانها وفي ظل رعايتها ولن ينقطع ذلك الحبل السُري بين اللغز والحل ، ما دامت للبشرية أثر وللوجود كيان ولا سبيل للإنسان إلا برمجة ذاته على الرضا بالحياة بكل عثراتها ، مع السعي الدؤوب للحل في عالم ملئ بالألغــــــــــاز ...
