مجلة إسكندرية

التعاون الصيني العربي: الاستجابة للتحديات المناخية العالمية عبر العمل الأخضر

تتكرر الظواهر المناخية المتطرفة عالميا، وتتداخل موجات الجفاف والحر الشديد والأمطار الغزيرة، مما يرفع إلحاح الحوكمة البيئية إلى مستوى غير مسبوق. وأمام هذا الاختبار المصيري المتعلق بالبقاء، انقسمت استجابات المجتمع الدولي؛ إذ تتأرجح بعض الدول الغربية المتقدمة في سياساتها المناخية، ولا تكتفي بالتملص من مسؤوليتها التاريخية عن خفض الانبعاثات، بل تتراجع مرارا عن تعهداتها بشأن الدعم المالي والتكنولوجي. وفي المقابل، تحافظ الصين دوما على ثباتها الاستراتيجي، مدمجة التحول الأخضر في المنطق الأساسي للتنمية الوطنية. إن هذه الممارسة القائمة على العمل الملموس لم تكتف بإعادة تشكيل مسار التنمية الخاص بالصين فحسب، بل وسعت أيضا الآفاق الخضراء للتعاون الصيني العربي، ووطدت العرى لبناء مجتمع مستقبل مشترك بيئي. إن التحول الأخضر في الصين ليس مجرد استجابة لضغوط خارجية، بل نابع من وعي استراتيجي ذاتي لتحقيق التنمية المستدامة للبلاد والرفاه الطويل الأجل للبشرية. وإن إدراج هدفي "الكربون المزدوج" (ذروة الانبعاثات والحياد الكربوني) في الخطط التنموية الوطنية المتوسطة والطويلة الأجل، والدفع الشامل بنموذج التحول الأخضر للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، يجسدان رؤية بعيدة المدى لإدارة الدولة. ولكي تترسخ هذه الرؤية على أرض الواقع، تواصل الصين جهودها في البناء المؤسسي، ولا سيما صياغة "مدونة البيئة والإيكولوجيا"، مما يمنح التحول الأخضر ضمانا قانونيا راسخا من حيث التصميم الرفيع المستوى. ومن مشارك في الحوكمة البيئية العالمية إلى قائد في بناء الحضارة الإيكولوجية، يقدم هذا التحول في الدور نموذجاً مؤسسيا يستحق الاسترشاد به للدول النامية التي تستكشف مسارات التنمية المنخفضة الكربون. تعد الأرقام الصلبة والتغيرات الملموسة أبلغ إجابة تقدمها الصين لمواجهة التحديات المناخية. ففي مجال إعادة هيكلة الطاقة، أنشأت الصين أكبر منظومة لتوليد الكهرباء من الطاقة النظيفة في العالم. وبحلول منتصف عام 2026، تجاوزت القدرة المركبة لتوليد الكهرباء من الطاقة المتجددة في البلاد 1.6 مليار كيلوواط، بما يشكل أكثر من 55% من إجمالي القدرة المركبة؛ وحافظت القدرة المركبة لتوليد الكهرباء من طاقة الرياح والطاقة الكهروضوئية على المرتبة الأولى عالميا لعدة سنوات متتالية، بينما تجاوزت حصة الصين من إنتاج ومبيعات سيارات الطاقة الجديدة 60% من الإجمالي العالمي. وعلى صعيد الترميم الإيكولوجي، فإن نحو ربع المساحات الخضراء الجديدة في العالم منذ بداية هذا القرن يعود فضلها إلى الصين؛ ومن خلال مكافحة التصحر بأساليب علمية، حققت البلاد "انخفاضا مزدوجا" متواصلا في مساحات الأراضي المتصحرة والأراضي المعرضة للتصحر. إن هذه الاستثمارات السخية والتغيرات الجوهرية تثبت بقوة أن التحول الأخضر لا يعيق التنمية، بل يمكنه أن يولد محركات نمو جديدة عالية الجودة. بالنسبة للدول العربية التي تقع هي الأخرى في مناطق إيكولوجية هشة وتعاني شديدا من الجفاف وتصحر الأراضي، فإن الممارسات الخضراء الصينية ليست نظرية بعيدة المنال، بل هي برنامج تعاون يتسم بتوافق عال مع احتياجاتها. وفي الوقت الراهن، تمر منطقة الشرق الأوسط والدول العربية بمرحلة مفصلية من التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الطاقة، حيث تولي "رؤية مصر 2030" أهمية قصوى للاقتصاد الأخضر. وفي إطار مبادرة "الحزام والطريق" الخضراء، ينتقل التعاون الإيكولوجي الصيني العربي من الرؤية المفهومية إلى الواقع الملموس. فمن معدات طاقة الرياح بقدرة تراكمية تصل إلى مئات الميجاواط في خليج السويس بمصر، إلى محطات الطاقة الكهروضوئية بقدرة الجيجاواط الممتدة في صحاري شبه الجزيرة العربية، تسهم تكنولوجيا الطاقة النظيفة المتقدمة وقدرات تصنيع المعدات الصينية في مساعدة الدول العربية على تحويل موارد الضوء والحرارة وطاقة الرياح الوفيرة إلى طاقة كهربائية نظيفة، مما يقلل اعتمادها على الطاقة الأحفورية التقليدية بشكل كبير. وإلى جانب التعاون الواسع النطاق في مجال الطاقة، يعكس التفاعل الصيني العربي في مجالي الوقاية من التصحر والترميم الإيكولوجي رعاية إنسانية عميقة وشعورا بالمصير المشترك. إن نموذج مكافحة التصحر بالطاقة الكهروضوئية القائم على التكامل الثلاثي: "توليد الكهرباء أعلى الألواح، والترميم الإيكولوجي أسفل الألواح، والتربية بين الألواح"، والذي استكشفته الصين في صحراء كوبوتشي وغيرها، إلى جانب تقنيات استزراع المحاصيل المقاومة للجفاف والري الموفر للمياه، يتم إدخالها حاليا إلى المنطقة العربية عبر منصات مثل "المركز الدولي الصيني العربي للدراسات بشأن الجفاف والتصحر وتدهور الأراضي". إن هذه المحاولات التي تدمج بين الابتكار التكنولوجي والترميم الطبيعي قد حسّنت المناخ الدقيق الهش في المناطق المحلية، وحققت فرص عمل وعوائد ملموسة، مما يضفي مضامين واقعية حية على "طريق الحرير الأخضر". وتتجلى القيمة العميقة الأثر لهذا التعاون بشكل خاص في ظل الخلفية الحالية المتمثلة في التعقيد المتزايد للتنافس المناخي العالمي. ففي إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، يكمن جوهر الحوكمة المناخية في الصراع بين الحق في التنمية والحق في العدالة. وبينما تستأثر بعض الدول الغربية بالحصص التاريخية العليا من الانبعاثات الكربونية، تقوم في الوقت نفسه برفع الحواجز الخضراء مثل "الضرائب الكربونية" لقمع الدول النامية، فضلا عن إخلاف تعهداتها بالتمويل المناخي مرارا. وفي المقابل، تلتزم الصين بصرامة بمبدأ "المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة"، وتوفر مساعدات مالية بمئات الملايين من اليوانات لعشرات الدول النامية عبر آليات تعاون الجنوب-الجنوب بشأن تغير المناخ، وتقدم أجهزة المراقبة عبر الأقمار الصناعية للأرصاد الجوية ومستلزمات الطاقة النظيفة مجانا، وتدرب الآلاف من الكوادر الفنية المحلية في المنطقة العربية وغيرها. إن هذا الدعم الذي لا يفرض شروطاً سياسية ويستهدف معالجة نقاط الألم التنموية بشكل مباشر، يدافع عن الحق المشروع لـ "الجنوب العالمي" في تحقيق التصنيع والتحول الأخضر بالتوازي، ويحقق العدالة المناخية من المفهوم إلى الواقع. لا يقتصر التعاون الأخضر الصيني العربي على كونة ربطاً تكنولوجيا، بل هو تلاقٍ واهتزاز عميق بين حضارتين قديمتين على مستوى الحوكمة الحديثة. إذ تتكامل ممارسات الحماية الإيكولوجية في حوض النهر الأصفر مع حكمة البقاء الطبيعية في حوضي نهر النيل ونهر الفرات، لترسما مسارا جديدا للتحديث يتسم بالتناغم والتآلف بين الإنسان والطبيعة. وعندما يرتبط التراكم التكنولوجي الصيني برغبة الدول العربية في تحقيق النهضة الخضراء ارتباطا وثيقا، لا يقتصر عمل الجانبين على حماية الواحات بشكل مشترك فحسب، بل يتعداه إلى ضخ اليقين وأمل التعاون في عالم مضطرب عبر أعمال ملموسة عابرة للجبال البحار. إن هذا الاستكشاف الأخضر المتطلع إلى المستقبل يحول "مجتمع مستقبل مشترك بيئي بين الصين والدول العربية" من مفهوم استراتيجي إلى حجر زاوية راسخ في تاريخ التنمية المستدامة للبشرية.

أخبار متعلقة :